محمد أبو زهرة

1752

زهرة التفاسير

والفريق الثاني من قافلة الأبرار ، الصديقون ، ومرتبتهم تلى مرتبة النبيين ، والصديقون جمع صديق ، وقد فسر العلماء الصديق بأنه الصادق الذي لا يكذب ، وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني : الصديق من كثر منه الصدق ، وقيل : يقال لمن لا يكذب قط ، وقيل : لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق ، وقيل : بل لمن صدق بقوله واعتقاده ، وحقق صدقه بعمله . قال تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 56 ) [ مريم ] وقال : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ . . . ( 75 ) [ المائدة ] وقال : مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ . وإن هذه المعاني متلازمة ، فمن صدق في قوله لا يكذب قط ؛ إذ يصير الصدق عادة نفسية له ، فلا يتأتى منه الكذب ، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « عليكم بالصدق فإنه يهدى إلى البر ، والبر يهدى إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا » « 1 » . وإن الصدق في القول إذا صار عادة نفسية زكت النفس وطهرت ، واستقام الفكر والعمل ، وصار يدرك الحق لذات الحق ، ويتجه إلى طلبه من غير التواء ، فيدركه من غير طلب حجة ولا برهان ؛ لأن أمارات الحق تلوح له ، ويدركها بنور قلبه . وكذلك كان صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه ، وقد روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له نظرة ، غير أبى بكر فإنه لم يتلعثم » « 2 » .

--> ( 1 ) عن عبد الله ( ابن مسعود ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور وإن الفجور يهدى إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا » . [ رواه مسلم : البر والصلة والآداب - قبح الكذب وحسن الصدق وفضله ( 2607 ) ، كما رواه البخاري بلفظ مقارب : الأدب - قول الله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 6094 ) ] ( 2 ) رواه الديلمي عن ابن مسعود . كما في كنز العمال ( 32612 ) .